البلاغة العربية ، الأصول وَالامتدادات (2)
البلاغة العربية ، الأصول وَالامتدادات (۲)
المدخل العام
مقدمات و خلاصات
أ ـ التأريخُ قراءةٌ
إن كتابةَ تاريخٍ للبلاغةِ العربية مسألةٌ ملحةٌ اليومَ لعدة اعتباراتٍ. نخص منها بالذكر اعتبارين اثنين يستتبعان الاعتبارات الأخرى:
1 ـ اعتبارٌ عام: واقعي و تاريخي: يتصل بقلة ما أنجز من الدراسات في هذا المجال سواء كانت استكشافية وصفية أو تفسيرية. فباستثناء أعمال قليلة، سنعرض لها، فإن الدراسات المنجزة في مجال تاريخ البلاغة بالتحديد دراساتٌ جزئية تتناول ظواهرَ أو قضايا لها أهمية أحيانا ولكنها ليست أكثرَ من لبناتٍ من بناء تجب إقامته على قاعدة واسعة، حتى وإن لم يكن عالياً، أو من طبقة أو طبقتين فقط.
2 ـ اعتبارٌ خاص قِرائي: أي مِنهاجي صرف : ذلك أن تغيرَ المعطيات التي نمتلكها، والإمكانيات التي نسخِّرها، وتغيرَ الأسئلةِ المطروحة على الأدب، يجعلُ من اللازم إعادةَ الكتابة كلما تغيرت شروط القراءة و ظروفها. فالحاضر يغني الماضي بقدر ما يغتني بمحاورته. الماضي نص مفتوح للقراءة على الدوام.
وعلى هذا الأساس فإن عملنا لا ينسخ، بأي معنى من المعاني، أي عمل سابق عليه. ولا يعتبر نفسه بديلا يغني عن غيره، وقصارى ما يطمح إليه أن يكون خطوة في السعي لكتابة تاريخ شامل للبلاغة العربية، وأشدد على عبارة السعي. وقد سبقته أعمال مهمة، ولكنها قليلة كما تقدم، مَثلت في نظرنا مرحلتين متمايزتين:
1 ـ مرحلة السرد التاريخي وتلخيص محتويات الكتب. وأحسن من يمثلها في حدود اطلاعنا إن لم يكنْ ممثلَها الوحيد: البلاغة تطور وتاريخ، للعالم الكبير شوقي ضيف الذي أعتبره مدرسة قائمة الذات، مدرسة التمهيد.
إني أقوِّم هذا الكتاب من منظورين: منظور المؤرخ ومنظور القارئ المنتفع. لا أستطيع اليوم وصف السعادة التي أحسست بها في أوائل السبعينيات حين اكتشفته، وأنا في أول الطريق إلى التعرف على المكتبة البلاغية[1]. إنه أحد الجسور البلاغية التي ينبغي إعادة صياغتها اليوم، و تكميلها أو حتى ترميمها. وبهذه القيمة المصادرية التمهيدية المدخلية يمتد فينا هذا الكتاب وهذه الكتابة، ولكن أكثرنا يَستهلكُها سراً، وينقصها جهرا، والدليل على ذلك عدد الطبعات والمبيعات... ويبدو أن أقدم محاولة في هذا الاتجاه قبل كتاب شوقي ضيف هي كتاب تاريخ البلاغة للمراغي وهو يحمل كل ملامح البداية، ويقع دون عمل المؤلف نفسه في: علوم البلاغة.
وطابع هذه المرحلة هو السعي إلى المحافظة على الرؤية التراثية. وهي تدخل في هم إحياء التراث والتعريف به، وتقريبه من القراء.
2 ـ مرحلة الكتابة من منظور حداثي لساني واعٍ باختيارِه ومخلصٍ له، وأكمل عمل يطمح لتقديم رؤية عامة شاملة عن البلاغة العربية في هذا الإطار هو أطروحة حمادي صمود: التفكير البلاغي عند العرب، أسسه و تطوره إلى القرن السادس (مشروع قراءة). انتهى إنجاز هذا العمل سنة 1980 وصدر ضمن منشورات الجامعة التونسية سنة 1981 .
والإشارة إلى هذه التواريخ مهمة جدا فمعنى ذلك أن الكتاب أعد في السبعينات، أو في نصفها الأخير، على أقل تقدير. فمن المعروف أن طابع الدراسة الأدبية في الفترة الممتدة من أواسط الستينات إلى منتصف السبعينات في المغرب العربي هو الطابع السوسيولوجي الذي صار يتحول، تدريجيا، نحو السوسيوبنائية كمرحلة انتقالية نحو الدراسات البنائية ذات الطابع اللساني بل الشكلاني أحيانا، ابتداء من أواسط السبعينات إلى منتصف الثمانينات حيث زاد الاهتمام بالقراءة.
لِيحتفظ القارئ في واجهة ذاكرته بعبارة (مشروع قراءة) محصورة بين قوسين يعطيانها قوةَ: قف أو انتبه، قبل أن يدخل إلى مقدمة الكتاب ليستمع إلى الموقع الذي وضع فيه المؤلف قراءته: يرى المؤلف أن الكتابة التقليدية في التراث تعاني من غياب إشكالية "التراث" و "الحداثة" في حين تتجه أغلب التيارات النقدية الحديثة إلى "إمكانية إعادة قراءة البلاغة على ضوء المكتسبات المنهجية الجديدة، ولاسيما مكتسبات اللسانيات".[2]
لقد بنيت هذه الدراسة على إمكان هذه القراءة وجدواها فكان لها مكانها ودورها. ولاشك أن هذا التوجه يجد سندا له في الدراسات الغربية التي انطلقت منذ الستينات تؤرخ للبلاغة الغربية، أو تعيد قراءتها و تفسر فعاليتها مع بارت (تاريخ البلاغة) و جان كوهن و كبدي فاركا وجان مولينو و طامين[3] ... الخ ففي إطار هذا المد أنجزنا نحن أيضا مجموعة من أعمالنا السابقة[4] في البعدين التنظيري و التأريخي مستفيدين من عمل حمادي صمود لتكوين تصورعام.
و لاشك أن للمعالجة البنيوية اللسانية، جدوى كبيرة في استخراج الأنساق وتفسير الفعالية، ولذلك حاولنا استثمارها إلى أقصى حد ممكن، غير أننا حاولنا أن نستغل بعض مقترحات جمالية التلقي في بعدها التاريخي[5]. وبذلك نعتبر عملنا امتدادا لجهود من سبقونا في هذا الطريق، وبناءً يستند إلى بناءاتهم. وهذه حقيقة تفرض نفسها وعيناها أم لم نعها. ونتمنى أن يكون فيه ما يمهِّد لقراءة ثالثة تُنجز مستقبلا.
إن الأسئلة التي تطرحها القراءة تتطلب مبدئيا معالجة بنيوية تقوم على التحليل والإحصاء، كما تتطلب معرفة سوسيوـ أدبية.. فهي قراءة تركيبية تعتمد النظرة الشمولية. تفهم السابق من اللاحق واللاحق من السابق. ولكي تكون مثمرة ينبغي أن تتحول إلى مستوى الهم أو الانشغال الموجه الذي يفسح المجال للتحليل والتأريخ لسد الفجوات دون أن يكون الخطاب الحديث عَائقاً يسد الطريق بترسانة من العتاد النظري الذي يُعرقل السير بدل أن يَفتحه. لذلك، قد نكتفي بإشارة في النص أو الحاشية إلى هذا المتاع، ونتلافى بذلك وضعه في طريق القارئ الذي نتركه وجها لوجه مع المعطيات داخل نظام قائم غير مرئي، أو غير قسري.[6]
لقد أسعفتنا هذه المفاهيم القرائية بشكل جلي (مثلا) في إعادة النظر في موقف الدارسين المحدثين من تعامل الفلاسفة العرب مع التراث الأرسطي، خاصة كتاب فن الشعر. فقد بينا كيف أن الفلاسفة العرب لم يكونوا مشغولين بالتطابق مع أرسطو، وأنه لا جدوى من هذا التطابق، لو فرضنا وقوعه. بل هم صريحون في أن ما يهمهم هو الكليات أو القوانين العامة عند كل الأمم أو عند أغلبها. القوانين التي تتسع لكل الخصوصيات القومية. من هنا فإن تحويلهم للمحاكاة إلى تغيير لساني، يجري في مستوى بنية اللغة وليس على خشبة المسرح، كان إجراء واعيا و مفيدا لو فهم معناه العام كما صاغه ابن رشد وطبقه حازم تطبيقا واعياً.
ومن المباحث التي بنيت أساسا، وبشكل جلي في إطار نظرية التلقي دراسة الاختيارات الشعرية. فعملية الاختيار كانت عملية قرائية نقدية أعقبتها عملية تأويلية لاستخراج الصور البلاغية. اختار أبو تمام من الشعر العربي على أُسُسٍ غير معلنة. غير أن انتماء النصوص المختارة وتجانسها، لاشتراكها في خصوصية معينة سَهَّل مهمة القارئ الثاني الذي هو الشارح: المرزوقي. هكذا رأى المرزوقي من المفيد أن يكشف السر، سر الاختيار أو أساسه، فكتب في ذلك مقدمة نقدية بلاغية بسط فيها الحديث عن عمود الشعر الذي هو أساس البلاغة في الوقت نفسه. لقد وسعنا مجال القراءة بالاختيار لتشمل العملية النقدية التي كانت من أهم مصادر البلاغة. خاصة في المراحل الأولى حين كان النقد ينطلق من تصور للجنس الأدبي تكوَّن بشكل عفوي عبر زمن مديد من الممارسة. إن الحديث عن مقصِّد القصيدة يشبه الحديث عن الواضع الأول للغة. لقد وجدت القصيدة ــ في اعتقاد المتحدثين عنها ــ مكتملة وكان تأملها أول وعي للغة بذاتها.
وإذا نظرنا من زاوية الخطابة والبيان الخطابي فإن مشروع الجاحظ في البيان والتبيين لا يمكن أن يفهم إلا من خلال قراء ابن وهب له، واستئنافه لمشروعه. فابن وهب يرى أن الجاحظ لم يقدم شيئا يستحق الاعتبار في باب البيان.
وعلى النقيض من استراتيجية قراءة ابن وهب للبيان والتبيين نجد استراتيجية قراءة السكاكي لكتاب الدلائل أكثر إنتاجية. لم يهتم السكاكي بالمشروع وَ المنطلقات بل انطلق من المنجز في قراراته النهائية. ابتدأ من آخر ما انتهى إليه الجرجاني: أي النظم أو علم المعاني. انطلق من آخر قناعات الجرجاني حتى ولو كانت مأساوية و هي أن الإعجاز مسألة ذوقية؛ فنهاية الدلائل هي بداية المفتاح بلاغيا، في حين أن البرهان في وجوه البيان يعود مع الجاحظ إلى المحاسبة على المنطلق نفسه: أنواع الدلالة على المعاني من لفظ وغير لفظ، هل وفاها الجاحظ حقها أم لم يفعل؟ وحين نقطع النظر عن الخلفية المذهبية التي حضرت كشعار في منطلق مشروع ابن سنان ونعتمد مدخله النظري الابستمولوجي ومنجزه الفعلي ندرك مدى تقاطعه مع مشروع حازم القرطاجني، بل يترسخ عندنا أن حازماً حاول صياغة المنطلق النظري العلمي المتعلق بالأسس الخمسة للصناعة آية صناعة، مثل ابن سنان، مستفيدا من اجتهادات الرجل مدخلا إياها في إطار نظري أوسع متوسعا في بعض الجوانب غير الموسعة عند ابن سنان مثل قضية المحاكاة. إن حديث حازم عن المعاني يوازي في كثير من خطواته عمل ابن سنان، بل نجد اشتراكا في مواقفَ وعباراتٍ كثيرة.
إن هذا الطرح من زاوية القراءة جدير بجعلنا نتلافى كثيرا من النقص الذي شاب الدراسات البنيوية الصرف، وكذا الدراسات التاريخية التحقيبية الوضعية غير الوافية بالنمو الداخلي للعلاقات القرائية وما تحمله من تقابلات وتعارضات. إنها تسمح:
مثل خردمندان فكر كنيد اما با مردم به زبان خودشان حرف بزنيد.