ما كل موضوع أو حديث صحيح تحدَّث به العامة
 
قال القاسمي في كتابه "قواعد التحديث" ما نصُّه:
"الثمرة التاسعة: ما كلُّ حديث صحيح تحدَّث به العامة، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن معاذ - رضي الله عنه - قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حمار، فقال: ((يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟))؛ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّ حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله أن لا يعذب مَنْ لا يشرك به شيئًا))؛ قلتُ: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ به الناس؟ قال: ((لا تبشِّرهم فيتَّكِلوا!)).

وفي روايةٍ لهما عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وهو رِدْفِه: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه - إلا حرَّمه الله على النار)). قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذًا يتَّكِلوا)). فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا.

وروى البخاري عن عليٍّ - رضي الله عنه -: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يكذَّب الله ورسوله؟!". ومثله قول ابن مسعود: "ما أنت محدِّثٌ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم - إلا كان لبعضهم فتنة"[1].

قال الحافظ ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعضٍ دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على الأمير، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روى عنه في الجرابين[2]، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن: أنه أنكر تحديث أنس للحُجَّاج بقصة العُرَنِيِّين[3]؛ لأنه اتخذها وسيلةً إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي؛ وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد؛ فالإمساك عنه عند مَنْ يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوبٌ"؛ انتهى.

ولما كان النهي للمصلحة لا للتحريم؛ أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ.

قال بعضهم: النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبشِّرهم" مخصوصٌ ببعض الناس، وبه احتجَّ البخاري على أن للعالِم أن يخصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ؛ كراهة ألاَّ يفهموا، وقد يُتخذ أمثال هذه الأحاديث البَطَلَة [4] والإباحية ذريعةً إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام، وذلك يُفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى، وأين هؤلاء ممَّن إذا بُشِّروا زادوا جِدًّا في العبادة؟! وقد قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أتقوم الليل وقد غَفَرَ اللهُ لكَ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))"[5].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]   رواه مسلم. 
[2]   في مسند أحمد أن أبا هريرة قال: "حفظت ثلاثة أجربة، بثثت منها جرابين". وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". 
[3]   العُرَنِيُّون: نفر قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا، فاجتوو المدينة، فأمرهم أن يأتوا الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحُّوا، فارتدوا وقتلوا رعاتها، واستقوا الإبل؛ فبعث في آثارهم، فأُتي بهم؛ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. والحديث في "الصحيحين" وغيرهما؛ راجع "فتح الباري": (جـ12، ص98). 
[4]   يقال أبطل: إذا جاء الباطل: والبَطَلَة: السحرة والشياطين، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أُمامة: ((إقرؤا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة))؛ وأخرجه مسلم في الصلاة. 
[5]   أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن شعبة. 
 
منبع :
 
كتاب كيف تكون خطيبًا "التيسير في الخطب والوعظ والتذكير".
الشیخ سعید عبدالعظیم